وفقا لما أفادته وكالة أنباء أهل البيت (ع) الدولية ــ أبنا ــ تمثل الذكرى الثالثة لعملية «طوفان الأقصى»، أو السابع من أكتوبر، بالنسبة إلى الإيرانيين والشيعة تجربة مختلفة عن بقية العالم الإسلامي؛ إذ تركت العملية تداعيات كبيرة على المنطقة وإيران، واستقطبت اهتمام غالبية المسلمين، غير أن الشيعة كانوا، بحسب المقال، الطرف الذي سارع إلى الوقوف إلى جانب إخوانهم الفلسطينيين من أهل السنة في ساحة المواجهة.
وفي اليوم التالي للسابع من أكتوبر، دخل حزب الله اللبناني المعركة دعماً للمقاومة الفلسطينية، وبدأ هجماته على شمال الأراضي الفلسطينية المحتلة. وبينما كان الكيان الصهيوني في الجنوب يواجه تداعيات الهجوم المفاجئ الذي نفذته حركة حماس، مارس مقاتلو حزب الله ضغطاً عسكرياً كبيراً على قوات الاحتلال من الجبهة الشمالية. وفي المقابل، تابع قادة الدول والشعوب العربية والإسلامية، حتى بعض الداعمين لحماس في العالم العربي ومن أهل السنة، التطورات وسط الارتباك والقلق.
وفي هذا السياق، كان قائد الثورة الإسلامية الشهيد آية الله السيد علي الخامنئي أول قائد يظهر، بعد ثلاثة أيام فقط من العملية، أمام ضباط إحدى الجامعات العسكرية في العاصمة، ويتحدث عن تداعياتها. وقال: «النقطة الأولى هي أن الكيان الصهيوني الغاصب تعرض، منذ أحداث الخامس عشر من مهر [السابع من أكتوبر]، لهزيمة لا يمكن ترميمها، عسكرياً واستخباراتياً. لقد تحدث الجميع عن الهزيمة، لكنني أؤكد أنها غير قابلة للترميم. أقول إن هذا الزلزال المدمر استطاع أن يهدم بعض ركائز سلطة الكيان الغاصب، وإن إعادة بنائها ليست أمراً سهلاً. ومن المستبعد أن يتمكن هذا الكيان، رغم كل الضجيج الذي يثيره والدعم الغربي الذي يحظى به اليوم، من ترميم تلك الركائز. فمنذ السبت الخامس عشر من مهر، لم يعد الكيان الصهيوني كما كان، والضربة التي تلقاها لا يمكن تعويضها بسهولة».
وأضاف الشهيد آية الله السيد علي الخامنئي، في معرض حديثه عن أسباب المواجهة: «النقطة الثانية، وهي في غاية الأهمية، أن الصهاينة هم الذين جلبوا هذه المصيبة على أنفسهم. فعندما يتجاوز الظلم والجريمة حدودهما، وعندما يبلغ التوحش أقصى درجاته، ينبغي توقع العاصفة. ماذا فعلتم بالشعب الفلسطيني؟».
وتابع محذراً قادة الكيان الغاصب وصنّاع القرار فيه وداعميه: «عليهم أن يعلموا أن هذه الأفعال ستجلب عليهم كارثة أكبر، وأن ردّ الفعل على هذا الظلم سيكون صفعة أشد على وجوههم القبيحة».
وبعد نحو عام من هذه التصريحات، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية، عقب تحقيقات بشأن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، مذكرتي توقيف بحق رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع السابق يوآف غالانت. وتضمنت الاتهامات المسؤولية عن جرائم حرب، منها استخدام التجويع أسلوباً من أساليب الحرب، وجرائم ضد الإنسانية شملت القتل والاضطهاد وأفعالاً لا إنسانية أخرى خلال الحرب على غزة. وكانت مذكرة التوقيف بحق نتنياهو الأولى من نوعها بحق قائد دولة تحظى بدعم غربي، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب، ما أثار غضباً واسعاً في الأوساط الصهيونية، وشكّل ضربة جديدة لمكانة الكيان بعد إخفاقه الأمني أمام حماس في عملية «طوفان الأقصى».
ومن النقاط المهمة في مواقف قائد الثورة الإسلامية تأكيده أن «طوفان الأقصى» عملية فلسطينية، وأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية لم تشارك في التخطيط لها أو تنفيذها. وقال: «إنهم يصورون الجمهورية الإسلامية الإيرانية على أنها تقف وراء هذه الحركة، وهم مخطئون. نحن ندافع عن فلسطين وعن نضالها، ونقبّل جباه وأذرع المخططين الفلسطينيين الحكماء والأذكياء والشباب الشجعان، ونفتخر بهم، وهذا صحيح... لكن هذا العمل هو عمل الفلسطينيين أنفسهم».
ولم يقتصر دعم قائد الثورة الإسلامية الشهيد آية الله السيد علي الخامنئي لعملية «طوفان الأقصى» على هذه التصريحات. فبعد نحو أربعين يوماً، وخلال زيارته معرضاً للإنجازات الدفاعية، دعا الحكومات الإسلامية إلى قطع شريان الحياة عن الكيان الصهيوني، قائلاً: «على الحكومات الإسلامية أن تقطع شريان الحياة عن هذا الكيان، وألا تسمح بوصول النفط والطاقة والبضائع وما شابهها إليه، وأن تعلّق علاقاتها السياسية معه لفترة محدودة، سنة أو أقل أو أكثر، إذا كانت تريد وقف هذه الجرائم وإنهاء هذه الكارثة».
واستجابة لهذا التوجه، دخلت قوى المقاومة في اليمن، بقيادة حركة أنصار الله، ساحة المواجهة، ووجهت ضربات مؤثرة إلى الكيان الصهيوني من مسافات تبعد آلاف الكيلومترات، كما منعت السفن المتجهة إلى موانئه من المرور. وفي الوقت نفسه، انضمت فصائل المقاومة العراقية إلى جبهات إسناد غزة، فيما واصلت سوريا أداء دورها بوصفها أحد خطوط الإمداد للمقاومة.
وكانت الفصائل الفلسطينية تمتلك منذ سنوات مكاتب ومعسكرات وممثلين في سوريا، التي شكلت إحدى قواعد وجودها. لكن مع اندلاع الأزمة والحرب السورية ودعم دول عربية للمجموعات المسلحة التكفيرية، قطعت حركة حماس علاقاتها بالحكومة السورية تحت ضغوط كبيرة من حكام سنة في المنطقة، وأعلنت مغادرتها البلاد. بل إن بعض أعضائها شاركوا في أنشطة مسلحة وتخريبية إلى جانب جماعات إرهابية. وكان الداعمون العرب لحماس يأملون أن يؤدي هذا الموقف إلى تقويض شرعية الحكومة السورية التي كانت تُعد داعمة للمقاومة.
غير أنه مع اتضاح أن التيارات التكفيرية في بلاد الشام والعراق ظهرت للحفاظ على أمن الكيان الصهيوني وإضعاف محور المقاومة، تمكنت حماس من العودة وتحسين علاقاتها مع هذا المحور، بفضل وساطة حزب الله ودعم الجمهورية الإسلامية الإيرانية. وقد أثبت الشيعة، وفق المقال، ثباتهم وصدق مواقفهم.
وكان اعتماد حماس والمقاومة الفلسطينية ذات الغالبية السنية على جبهة المقاومة ذات الطابع الشيعي واضحاً إلى حد أن ممثلي حماس في لبنان نقلوا، في يوم السابع من أكتوبر نفسه، طلباً إلى السيد حسن نصر الله لإشراك حزب الله في المعركة. وفي اليوم التالي، فتحت المقاومة الإسلامية في لبنان جبهة الإسناد والدعم.
ومع تصاعد القصف الصهيوني العنيف والمجازر الواسعة في غزة، عبّر بعض مسؤولي حماس، بصورة غير مباشرة، عن استيائهم وطالبوا حزب الله بالمشاركة الكاملة في المواجهة. لكن قادة حماس ومقاتليها أكدوا مراراً أن أحداً لم يكن على علم بخطط العملية، وأن أياً من أطراف محور المقاومة، سواء إيران أو حزب الله، لم يُبلّغ بها مسبقاً. ويبدو أن تقدير حماس كان يقوم على أن دخول حزب الله بكامل قوته البرية والطائرات المسيّرة والصواريخ، بعد الضربة الأولى التي نفذتها كتائب القسام، قد يؤدي إلى حسم المواجهة مع الكيان الصهيوني.
لكن القيادة الإيرانية وحزب الله أشادا بقرار القادة الفلسطينيين وخيارهم، وحدّدا دورهما، وفق تعبير السيد حسن نصر الله، في «الإسناد» والدعم. وقد كان حجم عملية «طوفان الأقصى» كبيراً إلى درجة أوحت في البداية بأنها نُفذت بتنسيق شامل بين جميع مكونات محور المقاومة، إلا أن ذلك لم يحدث، بل فوجئ المسؤولون الإيرانيون وقيادة حزب الله بحجم العملية. ومع ذلك، جرى تسخير إمكانات عالم التشيّع لدعمها.
وجاء ذلك في وقت ابتعدت فيه قطر وتركيا، وهما من أبرز داعمي حماس في العالم السني، عن المواجهة، وسعتا أولاً إلى تحقيق مكاسب سياسية من التطورات. وبعد انشغال مكونات محور المقاومة بمعركة غزة، تحركت القوى التكفيرية التي جرى إعدادها للاستيلاء على سوريا. وبحسب المقال، ففي الوقت الذي كان فيه شباب حزب الله من الشيعة يقدمون دماءهم دفاعاً عن غزة، وكانت حماس تنتظر الدعم، كانت مجموعات مسلحة سنية مرتبطة بتركيا وقطر تستعد، قرب الحدود مع الكيان الصهيوني، للانقلاب على المقاومة والسيطرة على سوريا.
ويمكن القول إن حماس أجرت تقديرين مهمين، كان أحدهما خاطئاً والآخر صحيحاً تماماً. فقد افترضت في تقديرها الأول أن ردّ الكيان الصهيوني سيكون محدوداً وقابلاً للتحمل. وكان تكرار قبول الحكومات الصهيونية التفاوض مع حماس والمقاومة بشأن إطلاق أسير أو عدد محدود من الأسرى، مقابل تنازلات مقبولة، قد دفع قيادة حماس في غزة إلى الاعتقاد بأن العملية، بما أحدثته من صدمة عسكرية وأمنية وأسر عدد كبير من الأشخاص، ستفتح الباب أمام مفاوضات تحقق مطالب مهمة، منها رفع الحصار الكامل عن قطاع غزة، وربما الحصول على ميناء ومطار، وفق تعبيرها.
وفي هذا السياق، سافر الرئيس الأمريكي ومسؤولون غربيون إلى تل أبيب لإظهار دعمهم للكيان الصهيوني، الذي رأوا أنه يواجه خطر الانهيار. ومنحوا، بحسب المقال، الضوء الأخضر لعمليات قتل واسعة وإبادة وتدمير قطاع غزة. كما زار إيلون ماسك، الذي يصفه النص بأنه رمز التكنولوجيا الغربية، المستوطنات المتضررة من عملية «طوفان الأقصى» في غلاف غزة، في خطوة لإظهار التضامن مع سكانها.
وقال الرئيس الأمريكي جو بايدن إن الولايات المتحدة لو لم تكن لديها دولة تُسمى إسرائيل، لكان عليها أن تنشئ واحدة، فيما صرح المستشار الألماني بأن ما يقوم به الكيان الصهيوني في غزة هو «الأعمال القذرة التي ينفذها نيابة عن الغرب».
أما التقدير الثاني الذي أصابت فيه حماس، فكان اعتمادها على موقف عالم التشيّع وجبهة المقاومة. فقد أدركت قيادة الحركة في غزة أن كرامة حزب الله وإيران والشيعة لن تسمح بترك المقاتلين الفلسطينيين وحدهم، وأن المقاومة الشيعية ستؤدي واجبها مهما كانت الظروف، حتى لو لم تُبلّغ مسبقاً بالقرار الفلسطيني الكبير والمصيري.
إن الحديث عن «طوفان الأقصى» وأسبابها ونتائجها يتضمن أبعاداً وزوايا عديدة لا تقتصر على ما ورد في هذا التحليل. لكن ما يؤكده المقال هو أن عالم التشيّع، مستلهماً تعاليم مدرسة أهل البيت(ع)، اجتاز أحد أكبر الاختبارات وأصعبها في التاريخ، وقدم خيرة رجاله وقادته في العالم الإسلامي، ممن يصعب تعويضهم في وقت قريب. ويخلص الكاتب إلى أن هذه التضحيات أظهرت عمق العقيدة والإيمان، وأثبتت، وفق رؤيته، أن أي انتصار أو مقاومة في العالم الإسلامي، بما فيه العالم السني، لا يمكن أن يتحقق أو يستمر من دون الشيعة وعالم التشيّع.
........
انتهى/ 278
تعليقك